السبت، 31 مارس 2012

شاهي كيس




1
    وضعت ربع الدينار الأحمر في كفه الكبيرة .. فتح طياته الكثيرة .. تشممه .. ألحقه بإخوانه .. عدها معا مرارا وتكرارا .. تأكد أن الجميع دفع قيمة الاشتراك في الزردة ..
  حدث هذا في رمضان من سنوات بعيدة .. كانت أيامنا حلوة .. جميلة .. ممتعة .. بريئة ..
2
     اختار اثنين .. لينالا شرف مصاحبته للدكان .. اشترى بمعرفته لوازم الزردة .. نالوا أيضا شرف التناوب في حمل الكيس الوحيد ..
3
     بعد التراويح التقينا من جديد .. لعبنا الورق .. ضحكنا .. لا يزال الليل طويلا .. اقترح صاحب الكف أن نخرج للمقهى .. وافق الجميع .. تقاذفتني أفكار عديدة .. رفضي يعني بقائي وحدي في مزرعة خالية .. خروجي معهم يعني أني سأخترق الكثير من الوصايا والتعليمات والتحذيرات .. لم يكن لدي خيار .. لزمت الصمت ..
4
     غادرنا ظلام المزارع حيث نقطن .. فاجأتني أنوار المدينة .. بُهتّ بها .. أخفيتُ ابتسامتي .. أخفيتُ خوفي في جوفي .. صاحب الكف في مقدمة الركب .. كنت في ذيل القافلة .. تتقاذفني تيارات كثيرة .. بُهرتُ .. دهشتُ .. أنوار ملونة .. ضجيج .. زحام .. ضحك .. لعب .. دخان .. دخلنا الحديقة الخلفية للمقهى السياحي .. صارت خطواتي أكثر جرأة .. صرت وسط القافلة ..  
5
     اقتسمنا احد كراسي الحديقة .. كان كافيا لاحتواء أجسادنا الصغيرة .. غادرنا صاحب الكف الكبيرة .. احسده على جرأته .. ولج المقهى .. كنت استرق النظر لجوفها في خوف ووجل .. في داخلي شيء يحدثني أن آبي لن يسر إذا علم بمكاني الآن ..
6
    عاد .. في قبضته الكبيرة كأسا .. مصحوب بابتسامة كبيرة على شفتيه .. يتدلى من الكأس ورقة مربوطة بخيط .. قدم لنا الكأس .. احتسينا السائل المجهول .. رشفة رشفة .. سأله احدنا عن مهيته  :
-         شاهي ..
-         شاهي !!!!! ... !!!!
-         شاهي كيس ..
دارت الكأس الساخنة على شفاهنا الصغيرة .. علق الجميع عن إعجابهم بأشكال مختلفة .. لزمت الصمت .. استفرد كبير الكف بباقي محتويات الكأس ..
7
    بدأنا رحلة العودة .. صرت في مقدمة القافلة .. يسبقني أكبرنا كفا .. وصلنا .. أكلنا .. شربنا .. انتهت الزردة عدنا لبيوتنا .. كنت أتحاشى النظر لوالدي .. أتجنبه قدر استطاعتي .. انتهى السحور .. نامت العائلة .. وحدي بقيت ساهرا .. قلقا مضطربا .. مشوش الذهن .. أحاول بذهني الصغير معرفة أي الكبيرتين أشد جرما .. الذهاب للمقهى أم شرب شاهي الكيس .

ربيع رأس لانوف 2012 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق