- تفضل بالجلوس يا حاج .
جلس الحاج عند المقعد الذي أشار إليه المسؤول ... بدأ الضابط كلاما فهم بعد ترجمته من قبل المترجم بأنه سأل عن اسمه , فأجاب أن اسمه الحاج البشير .
تبادل المترجم والمسؤول حديثا بلغة لا يفهمها , ولكنه عرف أنها لغة الإنجليز بحكم تعامله في التجارة وسفره الكثير إلى طرابلس , والتقائه بالكثير من الوكلاء والتجار الإنجليز هناك .. ازداد حذره لعلمه بصعوبة التعامل مع هذه الملة من البشر .. بعد قليل بدأ المترجم في نقل ما دار بينه وبين المسؤول قائلا :
- ياحاج .. جاءك رزق من الله على يد هذا المسؤول الإنجليزي .
لم يكترث الحاج البشير لهذه المقدمة ولا بهذا الإغراء , ما جعل المترجم يواصل حديثه :
-حكومة الإنجليز يبو يغيروا مكان مكتب نائب القنصل اللي في غدامس .. يبو مكان أوسع وأكبر لرعاية مصالح بلادهم وتجارهم ورعاياهم .
لم يبدو على ملامح الحاج البشير الاهتمام مما جعل المترجم يضيف موضحا :
- وهما يبو يأجروا مكان ثاني باش يديروا فيه القنصلية هادي .. وبعد ما دوروا باهي لقوا مكان .. ولما سألوا على صاحب المكان قالولهم الحاج البشير ..
وبسرعة وخبرة التاجر الماهر وبكل الحذر المشهور عن الغدامسية درس الصفقة المعروضة أمامه وقلبها في عقله , فسأل الحاج البشير المترجم :
- وين يجي المكان اللي شافوه ؟ .
- الحوش(1) الكبير انتع العائلة.. وهم عارضين مبلغ مغري ... شن قلت ياحاج ؟ .
بعد برهة من الصمت والتفكير , أجاب الحاج البشير :
قلت لا إله إلا الله .. بالنسبة للمكان هذا مش للإيجار .. وكان يبو أي مكان ثاني ممكن نتفاهموا فيه .
نقل المترجم للضابط الإنجليزي ما رد به الحاج البشير , وتبادلا حديثا طويلا بتلك اللغة الأجنبية , ثم قام المترجم بنقل فحوى المحادثة للحاج قائلا :
- علاش يا حاج تفوت على روحك فرصة زي هادي ؟ .. أي تاجر يتمناها .. لو سمعوا تجار ثانيين ممكن تفوت عليك الفرصة .! هذا غير المكاسب اللي ممكن تربحها من جرة التعامل مع تجار بلادهم وأنت تاجر وسيد العارفين .
- المكان هذا بالذات ما نقدرش نأجره باش يديروه قنصلية .. كان يبو يديروه حاجة ثانية حاضر .
نقل المترجم رد الحاج البشير للضابط الإنجليزي , الذي بدا عليه الامتعاض والغرابة لمثل هذا الرفض فطلب من المترجم الذي نقل ذلك للحاج ضرورة معرفة السبب في هذا الرفض .. فأجاب الحاج قائلا :
- ألا تعلم أن المبنى المواجه لهذا المبني الذي تريدون إيجاره مني هو مسجد وزاوية دينية ؟ .
بدت على الضابط ملامح الاستفهام والاستغراب بعد سماعه لترجمة رد الحاج البشير مبديا استفهامه عن المانع في أن يكون مكتب نائب القنصل مقابلة لذلك المبنى ... ؟
هنا تغيرت ملامح الحاج البشير وارتسمت على وجهه علامات الجد والإصرار على موقفه الرافض .. وقبل أن يبدأ رده جال بنظره بين المسؤول والمترجم قائلا :
- لن أسامح نفسي أبدا .. حين أمر بذلك الشارع وأرى العلم البريطاني بصليبه الأحمر يرفرف قبالة الهلال الذي يعلو قبة المسجد والزاوية .
فرحم الله الحاج البشير الإمام
-------------------
1- الحوش : هو مبنى يضم اكثر من منزل فيسمى حوش