السبت، 31 مارس 2012

الهلال والصليب



      طرق الباب بكل هدوء .. دخل بعد أن سمع الإذن بذلك من خلف الباب .. ألقى على مسامع الشخصين الموجودين بالغرفة تحية المسلمين .. رد أحد الجالسين , بينما اكتفى الآخر بإيماءة من رأسه  ..  لم يشعر بالرهبة التي توقعها عندما أُعلم بطلب مقابلته من طرف أحد المسؤولين الإنجليز , طاف بعينيه حوله ليكتشف المكان , كان بالغرفة مكتب وعدة مقاعد معدة للجلوس , وعُلق على الحائط المقابل علم كبير بلون أزرق تتخلله خطوط حمراء متقاطعة راسمة الصليب في وسطه , كما علقت بعض الصور والخرائط على باقي الجدران وحوائط المكتب .. أشار المسؤول الإنجليزي بيده نحو أحد المقاعد , فقام الشخص الآخر بترجمة تلك الإيماءة بلغة عربية وبلكنة ليبية خالصة قائلا :    
      - تفضل بالجلوس يا حاج .
جلس الحاج عند المقعد الذي أشار إليه المسؤول ... بدأ الضابط كلاما فهم بعد ترجمته من قبل المترجم بأنه سأل عن اسمه , فأجاب أن اسمه الحاج البشير .
      تبادل المترجم والمسؤول حديثا بلغة لا يفهمها , ولكنه عرف أنها لغة الإنجليز بحكم تعامله في التجارة وسفره الكثير إلى طرابلس , والتقائه بالكثير من الوكلاء والتجار الإنجليز هناك .. ازداد حذره لعلمه بصعوبة التعامل مع هذه الملة من البشر .. بعد قليل بدأ المترجم في نقل ما دار بينه وبين المسؤول  قائلا :
     -  ياحاج .. جاءك رزق من الله على يد هذا المسؤول الإنجليزي  .
لم يكترث الحاج البشير لهذه المقدمة ولا بهذا الإغراء , ما جعل المترجم يواصل حديثه :
      -حكومة الإنجليز يبو يغيروا مكان مكتب نائب القنصل اللي في غدامس .. يبو مكان أوسع وأكبر لرعاية مصالح بلادهم وتجارهم ورعاياهم .
لم يبدو على ملامح الحاج البشير الاهتمام مما جعل المترجم يضيف موضحا :
-         وهما يبو يأجروا مكان ثاني باش يديروا فيه القنصلية هادي .. وبعد ما دوروا باهي  لقوا مكان .. ولما سألوا على صاحب المكان قالولهم الحاج البشير ..
وبسرعة وخبرة التاجر الماهر وبكل الحذر المشهور عن الغدامسية درس الصفقة المعروضة أمامه وقلبها في عقله , فسأل الحاج البشير المترجم :
       -  وين يجي المكان اللي شافوه ؟ .
       - الحوش(1) الكبير انتع العائلة.. وهم عارضين مبلغ مغري ... شن قلت ياحاج ؟ .
بعد برهة من الصمت والتفكير , أجاب الحاج البشير :      
قلت لا إله إلا الله .. بالنسبة للمكان هذا مش للإيجار .. وكان يبو أي مكان ثاني ممكن نتفاهموا فيه .
نقل المترجم للضابط الإنجليزي ما رد به الحاج البشير , وتبادلا حديثا طويلا بتلك اللغة الأجنبية , ثم قام المترجم بنقل فحوى المحادثة للحاج قائلا :
-         علاش يا حاج تفوت على روحك فرصة زي هادي ؟ ..  أي تاجر يتمناها .. لو سمعوا تجار          ثانيين ممكن تفوت عليك الفرصة .! هذا غير المكاسب اللي ممكن تربحها من جرة التعامل مع تجار بلادهم وأنت تاجر وسيد العارفين .
-         المكان هذا بالذات ما نقدرش نأجره باش يديروه قنصلية .. كان يبو يديروه حاجة ثانية         حاضر .
نقل المترجم رد الحاج البشير للضابط الإنجليزي , الذي بدا عليه الامتعاض والغرابة لمثل هذا الرفض فطلب من المترجم الذي نقل ذلك للحاج ضرورة معرفة السبب في هذا الرفض .. فأجاب الحاج قائلا :
   -   ألا تعلم أن المبنى المواجه لهذا المبني الذي تريدون إيجاره مني هو مسجد وزاوية دينية ؟ .
بدت على الضابط ملامح الاستفهام والاستغراب بعد سماعه لترجمة رد الحاج البشير مبديا استفهامه عن المانع في أن يكون مكتب نائب القنصل مقابلة لذلك المبنى ... ؟  
هنا تغيرت ملامح الحاج البشير وارتسمت على وجهه علامات الجد والإصرار على موقفه الرافض .. وقبل أن يبدأ رده جال بنظره بين المسؤول  والمترجم  قائلا :
-         لن أسامح نفسي أبدا .. حين أمر بذلك الشارع وأرى العلم البريطاني بصليبه الأحمر يرفرف قبالة الهلال الذي يعلو قبة المسجد والزاوية .

                                                                              فرحم الله الحاج البشير الإمام





-------------------
1- الحوش : هو مبنى يضم اكثر من منزل فيسمى حوش

شاهي كيس




1
    وضعت ربع الدينار الأحمر في كفه الكبيرة .. فتح طياته الكثيرة .. تشممه .. ألحقه بإخوانه .. عدها معا مرارا وتكرارا .. تأكد أن الجميع دفع قيمة الاشتراك في الزردة ..
  حدث هذا في رمضان من سنوات بعيدة .. كانت أيامنا حلوة .. جميلة .. ممتعة .. بريئة ..
2
     اختار اثنين .. لينالا شرف مصاحبته للدكان .. اشترى بمعرفته لوازم الزردة .. نالوا أيضا شرف التناوب في حمل الكيس الوحيد ..
3
     بعد التراويح التقينا من جديد .. لعبنا الورق .. ضحكنا .. لا يزال الليل طويلا .. اقترح صاحب الكف أن نخرج للمقهى .. وافق الجميع .. تقاذفتني أفكار عديدة .. رفضي يعني بقائي وحدي في مزرعة خالية .. خروجي معهم يعني أني سأخترق الكثير من الوصايا والتعليمات والتحذيرات .. لم يكن لدي خيار .. لزمت الصمت ..
4
     غادرنا ظلام المزارع حيث نقطن .. فاجأتني أنوار المدينة .. بُهتّ بها .. أخفيتُ ابتسامتي .. أخفيتُ خوفي في جوفي .. صاحب الكف في مقدمة الركب .. كنت في ذيل القافلة .. تتقاذفني تيارات كثيرة .. بُهرتُ .. دهشتُ .. أنوار ملونة .. ضجيج .. زحام .. ضحك .. لعب .. دخان .. دخلنا الحديقة الخلفية للمقهى السياحي .. صارت خطواتي أكثر جرأة .. صرت وسط القافلة ..  
5
     اقتسمنا احد كراسي الحديقة .. كان كافيا لاحتواء أجسادنا الصغيرة .. غادرنا صاحب الكف الكبيرة .. احسده على جرأته .. ولج المقهى .. كنت استرق النظر لجوفها في خوف ووجل .. في داخلي شيء يحدثني أن آبي لن يسر إذا علم بمكاني الآن ..
6
    عاد .. في قبضته الكبيرة كأسا .. مصحوب بابتسامة كبيرة على شفتيه .. يتدلى من الكأس ورقة مربوطة بخيط .. قدم لنا الكأس .. احتسينا السائل المجهول .. رشفة رشفة .. سأله احدنا عن مهيته  :
-         شاهي ..
-         شاهي !!!!! ... !!!!
-         شاهي كيس ..
دارت الكأس الساخنة على شفاهنا الصغيرة .. علق الجميع عن إعجابهم بأشكال مختلفة .. لزمت الصمت .. استفرد كبير الكف بباقي محتويات الكأس ..
7
    بدأنا رحلة العودة .. صرت في مقدمة القافلة .. يسبقني أكبرنا كفا .. وصلنا .. أكلنا .. شربنا .. انتهت الزردة عدنا لبيوتنا .. كنت أتحاشى النظر لوالدي .. أتجنبه قدر استطاعتي .. انتهى السحور .. نامت العائلة .. وحدي بقيت ساهرا .. قلقا مضطربا .. مشوش الذهن .. أحاول بذهني الصغير معرفة أي الكبيرتين أشد جرما .. الذهاب للمقهى أم شرب شاهي الكيس .

ربيع رأس لانوف 2012 م

الأحد، 4 مارس 2012

حدث في حينا

1
    لم يتحمل ما يحدث ..
2
    اختفى من الحي .. قيل إنه غادر ..
3
    وصلت أنباء أنه في الجبهة .. أكدت أنباء أخرى خوضه العديد من المعارك ..
4
    انظم إليه معظم شباب الحي .. وحدانا وزرافات .. كوّن منهم سرية .. مع الأيام والمعارك صارت كتيبة .. استشهد بعض رفاقه من أبناء الحي .. تناقل الناس أنباء بطولاتهم ..
5
    عاد مع البقية منتصرين .. لوحت الشمس بشرتهم .. طالت لحاهم وشعورهم .. بريق غريب يشع من عيونهم ..
6
    احتفل بهم أهالي الحي كثيرا .. رصاص كثيف نُثر في الفضاء .. أعلام كثيرة علقت .. الجدران لونت .. كتابات جميلة .. رسومات رائعة ..
7
    استقبل في بيته المهنئين .. رجال .. نساء .. من كل الأعمار.. وشوش له البعض .. صرح له آخرون .. استغرب .. تعجب .. تأفف .. 
8
   اختفى من جديد .. اختفى بعض شباب الحي كذلك .. قيل انه غادر بحثا عن جبهة جديدة .. وصلت أنباء غير مؤكدة .. انتشرت وشاعت .. ربما يكون خارج البلاد .. يقاتل من أجل أناس آخرين ..

15-10-2011


استسقاء

1
   خرجت القرية عن بكرة أبيها .. يتقدمها شيخها .. وصلوا أطراف القرية .. تراصوا في صفوف .. ارتفعت الأيدي .. ضارعة ..داعية ..مستنجدة .. الوجوه متهجدة .. القلوب خاشعة .. العيون دامعة .. تطلب ربها .. ترجوه .. تتوسله .. الغيث النافع ..

2
   في سماء القرية .. سحب صغيرة متناثرة .. اقتربت من بعضها .. تجمعت .. تجهمت .. اسودت .. سقطت منها قطرة .. قطرتان .. قطرات ..
3
   ابتهجوا .. نزل الرذاذ .. شكروا الله كثيرا .. عادوا للقرية مسرعين .. ما أن دخلوها حتى صار طلا .. 
4
    انتصف النهار .. أرسلت السماء غيثا .. في الظهيرة صار عبابا .. فروا .. دخلوا بيوتهم  .. وحده الشيخ .. توجه لحقوله الكثيرة .. عاثا فيها حرثا وبذرا ..
5
   عند المساء فتحت السماء أبوابها .. صبت ماءها على القرية .. أفرغت جوفها .. أنزلت وابلا .. لاحقهم المطر في بيوتهم .. دخل للبيوت عبر ثقوب السقوف الكثيرة .. وضعوا تحتها كل ما له جوف .. امتلأت الأواني وأفرغت عدة مرات .. غسلت المياه البيت وما فيه .. انتصف الليل أرسلت عليهم ودقا ..  
6
   عند الصباح .. خرجت القرية وحدها .. تخلّفَ شيخها .... تراصوا في صفوف .. ارتفعت الأيدي .. مبتلة ضارعة .. داعية .. مستنجدة .. الوجوه متهجدة .. القلوب خاشعة .. العيون دامعة .. تطلب ربها .. ترجوه .. تتوسله .. إيقاف المطر  ..


غدامس - ديسمبر 2011 م


وطن هارب




      امتلأت قلوبنا .. ازدحمت ..تراكمت فيه أشياء كثيرة ..
شعر الوطن بالإهمال .. بالتهميش .. أحس بالغربة .. الإهانة .. المهانة ..
تضايق .. انسل هاربا .. غادرنا.. ترك قلوبنا خاوية .. تتصارع داخلها تلك الأشياء المتراكمة .. المتراطمة ..
عاقبنا .. حرمنا لذته.. صرنا بل هوية .. لا نتذوق طعم لشيء .. لا رائحة لنشم عبيرها .. بهتت الألوان في عيوننا .. فقدنا
متعة الأحلام ..  تُهنا ..
بحثنا طويلا ..  عن السر .. عن السبب .. فتشنا في كل مكان .. طال بحثنا كل شيء .. المكان والزمان .. لذته ..
تخلصنا من الأشياء المتراكمة .. المتراطمة ..
عاد لمسكنه .. مكانه .. امتلأنا به ..


نوفمبر 2011 م


السبت، 3 مارس 2012

علم

طفنا كثيرا.. زرنا الأسواق .. دخلنا المحلات .. بحثنا طويلا .. بحثنا بحذر .. العيون ترقب .. 
اختنقت المحلات بلون واحد .. لا وجود لباقي الألوان .. أُخفِيَت .. صُودرت ..
اقترب التحرير .. سرايا الثوار تحرر الجبل .. ازداد الحماس .. تطوق العاصمة .. اشتد معه الطلب .. خشينا أن يداهمنا التحرير .. كيف نستقبله بدونه .. كيف نحضنه بأيدي فارغة .. الأطفال يلحون .. يطلبون .. الثوار يتقدمون .. يحررون الوطن ..
زنقة زنقة .. دارا دارا .. شبرا شبرا ..
رسموه على ورق .. بأيديهم .. صبغوه .. بدمائهم .. لونوه بآمالهم .. قبّلوه .. فرحوا به كثيرا ..
جاء يوم التحرير .. يوم النصر .. استقبلناه .. حضناه .. وأيدينا ترفرف به

  

أبو إسحاق الغدامسي
ديسمبر 2011 م

ديكـ تاتور

1
     سار متبخترا مزهوا كعادته .. اعتلى حجرا اعترض طريقه .. نفض ريشه الزاهي .. قفز من فوق الحجر .. توجّه لحوض الماء .. نظر لصورته المنعكسة على السطح اللامع .. حرك رأسه يمنة ويسرة .. تأمل مليا عُرفه الكبير .. حرك العُرف الكبير الشديد الحمرة .. شرب شربة ماء .. حرث الأرض بقدميه .. صاح صيحة اعتزاز ..
2
   سار خطوات .. قفز .. اعتلى الحائط المجاور .. سار فوقه خطواتٍ أخرى .. نظر من عليائه لرعيته .. الدجاجات منتشرات في أرجاء الحظيرة .. الكتاكيت الصغيرة تتبع الأمهات .. الكتاكيت الأكبر سنا منشغلون بالطعام .. رفع رأسه عاليا .. صاح بأعلى صوته ..  
3
    تجمعت الرعية تحت الحائط .. عم السكون .. نظر .. ثم نظر .. تفقد .. ثم تفقد .. عد الدجاجات ابتسم لهن  .. نظر بلا مبالاة للكتاكيت الصغيرة .. كشر في الكتاكيت الشابة .. لا أثر لعرفٍ كبير بينهم .. كل أعراف الكتاكيت صغيرة .. لا مجال للمنافسة .. لا مكان للمباهة .. عرفه الوحيد الكبير .. الشديد الحمرة .. القاني .. الويل لكل من تطاول بعرفه .. سيكون مصيره النقر والعض والنتف .. شمخ برأسه من جديد .. رفع عقيرته بصياح .. صاح ما طاب له الصياح .. لم يجرؤ أحد على مقاطعة صياحه .. أنهى نوبة الصياح .. ذهبت الرعية تسعى في حالها ..
4
تذمر الجميع في صمت .. امتعضوا .. خصوصا الكتاكيت الشابة .. نكست رؤوسها .. همهمت .. ابتعدت .
5
   ذات يوم .. وشوشت .. دبرت .. قررت أمرا ..
6
    استيقظ الديك ذات صباح على ضجيج .. هرج ومرج .. صياح .. استغرب من الذي تجرأ على الصياح .. خرج من القن يتفقد .. على ضوء السحر تبين له كل شيء .. اعتلت الكتاكيت الشابة الجدار المحرّم .. أخذت في الصياح بأعلى صوتها .. ملئت المكان صياحا ..
7
   حزم متاعه .. ابتعد عن القن .. نظر للكتاكيت الشابة .. الصياح يملأ المكان .. من مكانه تبين أعراف جميلة نمت  فوق الرؤوس ..

فبراير 2011

التركة


1
     أحاط الإخوة الثلاثة بجسد أبيهم المسجى .. عيونهم تخفي دموعا .. حزنٌ شديدٌ يسكنُ صدورهم .. جاهدوا على إخفائه .. يصل إلى أسماعهم نشيج النساء والأطفال الحزانى في الغرف المجاورة .. ألقوا نظرة أخيرة على جثمان الوالد الكهل ..  لا تزال كلماته الأخير ترن في آذانهم "  إياكم والانقسام " ..

2

    انتهت مراسم التشييع والدفن .. مرت أيام العزاء ثقيلة كعادتها .. عادت الحياة لتسري في أوصال العائلة من جديد .. مرت أسابيع .. شهور .. حدث خلاف بين أخوين حول عقار .. طال الخلاف .. اشتد النزاع .. جمعهم كبير الإخوة تلك الليلة لحل النزاع .. طال الحوار .. أحتد النقاش .. صار جدالا .. لم يتنازل أي طرف عن موقفه .. أنهى الكبير اللقاء :
-         للخروج من الخلاف مستقبلا أعرض عليكم  قسمة الأملاك أو توزيعها ..

3
    اقتسم الإخوة الثالثة الميراث .. فكان من نصيب الأكبر الأرض المزروعة .. أما الأوسط فرضي بالعقار والماء نصيبا .. أما الأصغر فأصر على أن تكون التجارة والمراعي له حصة .. رغم غضبها .. وامتعاضها ورفضها دعت الأم لأبنائها أن يدوم بينهم الوئام .. ورجت الله ان يبعد عنهم اسباب الشقاق والنزاع ..

4

     تلاحقت الشهور في ركضها .. صارت أعواما .. تغير الحال .. كسدت أحوال التجارة .. حل الجدب بالمراعي .. غارت المياه .. نقصت المحاصيل الزراعية .. فجاء أصغرهم طالبا من إخوته إعادة القسمة .. فقد أصابه أكثر الضرر .. استنجد بالأم وسيطا .. حاولت .. استجدت .. توسلت .. بكت .. دمعت عينها .. لم يجد ذلك شيئا .. اخيرا ذكرتهم بوصية والدهم :
-         " إياكم والقسمة "..
رد أكبر الأبناء
-         " ما يقسم في الرخاء يستحيل جمعه في الشدة !!! " ..



اهديها لفدراليي ليبيا
ابو اسحاق الغدامسي
مارس 2012

جدتي


       انزوت في ركنها القصي وحيدة .. رغم صخب الأحفاد .. وصياح الآباء طلبا للهدوء .. تداعب حبات المسبحة .. تتلو أذكارها التي لا تنتهي ..
      فجأة عم الهدوء .. حلت السكينة .. توقف الصخب واللعب واللهو .. حتى صياح الآباء صار وشوشة وهمسا .. الجميع ينشد السكون .. تحلقوا حوله تسابقوا لحجز اقرب الأماكن إليه .. جلسوا كأن على رؤوسهم الطير .. حتى عندما سعلت هناك من تجرأ ونهرها ..
    نظرت إليه شزرا .. لم يعجبها .. لم تتقبله .. ذلك البغيض .. منذ أن حل بالبيت من سنوات ليست قليلة .. أصبحت شيئا زائدا .. كان الجميع يتحلقون حولي .. ينتظرون حلول المساء .. يتنافسون من يكون الأقرب مكانا مني .. يستمعون بشغف لقصصي وحكاياتي .. ربما سحرهم بصوره .. شخوصه .. صحيح أنه ينقلهم إلى كل مكان .. لكن هذا غير مبرر ..
في سرها وجهت له  دعواتها .. سألت الله أن يقيهم شره .. وكذلك خيره ...
     فجأة انقطع التيار الكهربائي .. عمت العتمة .. تأفف الجميع إلا هي .. توالت الشتائم من كل حدب وصوب .. بكل لسان .. من كل الأعمار ..
   في ركنها القصي المعتم ابتسمت .. فقد استجاب الله دعائها .. اقترب منها اصغر الأحفاد .. طالبا منها إتحافهم بقصة .. فرحت  .. فقد استرجعت بعض مكانتها ولو لحين .. تنحنحت تسابقوا رغم الظلام إلى أخذ أماكنهم قربها .. عم الصمت أرجاء الغرفة المعتمة :
-         كان يا ما كان .. في قديم الزمان .. فتى يقال له .......
فجأة عادت الكهرباء .. تصايحوا .. صفقوا طربا .. هللوا لعودته .. علت وجوههم ابتسامات .. تسابقوا من جديد لأخذ أماكنهم حول ذلك الغريب المقيت .. تركوها كما مهملا من جديد ..  انزوت من جديد في ركنها القصي وحيدة .. تداعب حبات مسبحتها .. تتلوا أذكارها التي لا تنتهي .. زفرت زفرة .. بثت فيها كل حسرتها وقلة حيلتها إزاء هذا العدو ..
كالت له من جديد نصيبا كبير من مقتها ودعواتها ..


رأس لانوف شتاء 2012م

ليلة هروب الأمل



 


1
     مل حبسه الانفرادي .. كره زنزانته المظلمة .. تحسس جدرانها الصماء .. الباردة .. وجد فجوة صغيرة بين القضبان .. لم يفطن لها من قبل .. حاول الخروج منها .. نجح في  التسرب من خلالها بصعوبة .. غادر الجدران الصماء .. اختلس النظر للدهليز المظلم .. الحرس يغطون في نوم عميق .. تسلل هاربا من القلعة الحصينة .. وصل المدينة النائمة .. اليائسة ..

2
    طاف شوارعها الخالية .. المعتمة .. طرق الأبواب الموصدة .. تسلل للبيوت البائسة .. استقبلته بترحاب وابتهاج ....

3
   في الصباح .. انتشر خبر هروبه .. فرحت المدينة .. تواطأت في إخفائه .. الجنود في كل مكان .. يبحثون .. يفتشون .. قلبوا المدينة رأسا على عقب .. زقاقا زقاقا .. بيتا بيتا ..

4
   تسلل لمكان يصعب الوصول إليه .. صارت الصدور له مخبأ .. في المساء عادوا للقلعة .. فقد فشلوا في القبض عليه ..




رأس لانوف ربيع 2012